الأسرة التونسية:
من أجل إعادة
النظر في البرامج و الآليات لضمان مستقبل الأجيال
سامية
زواغة
يعمل
اقتصاد السوق بوجهه الليبرالي العالمي
المخيف على ترسيخ نموذج
ثقافي وحيد في العالم وهذا يمثل خطراً عظيماً على المجتمعات البشرية وعلى الأسر
بوجه خاص وإفقاراً
مخيفاً للمشهد الأخلاقي و الثقافي
الإنساني. إن الطابع
التكنولوجي والاقتصادي والإعلامي للعولمة يجعل المجتمعات كلها تقوم على مبادئ السوق الربحية والتبادل التجاري والإعلامي والتكنولوجي،
وستنتهي بموجب ذلك كثير من مفاهيم الاستقلال والصياغات المحلية لمفردات الحياة، بل
سيتشكل وعي بالوجود المشترك يصنعه البعض القوي المسيطر بماله وتكنولوجيته ويستهلك
إفرازاته البعض الآخر الضعيف الراغب في النمو و الاستقواء.
هذا الإفقار يعود إلى
ثقافة السوق التي
تنتجها العولمة ومنهجها المرتكز أساساً
على حمّى الاستهلاك:
استهلاك روح الأسرة وترابطها و استهلاك روح العامِل وإنسانيته، واستهلاك مدخّراته
تحت ضغوط قوانين السوق
وإغراءاتها والزج به إجبارا في التداين المتواصل وفي المقابل إنتاج نمط جديد من
الحياة و العلاقات ونوع آخر من القيم ومن المؤسسات المشتركة لم تكن معهودة من قبل مما سينتج أزمة تخلّف صناعي
وتكنولوجي وديمقراطي في جميع البلدان بشكل عام وفي البلدان المتخلفة والضعيفة بشكل
خاص ويهمنا نحن أن نبرز نتائج هذا المسار العولمي على بلادنا وتحديدا على واقع
نظامها الاجتماعي الذي يفترض أن تحتل الأسرة فيه مكانا متقدما.
لعل من أبرز
مظاهر تأثيرات العولمة وثقافة الاستهلاك التي أنتجتها في بلادنا ما تعيشه الأسرة
التونسية من تحولات خطيرة على مستوى بنيتها وعلاقة الأفراد داخلها مما جعلها تعيش
أزمات متعددة بتنا نشاهد آثارها فيما تتناوله الصحافة والبرامج التلفزية يوميا من
قضايا مأساوية تعصف بالأسر وتطرح أسئلة ملحة حول مدى سلامة الخيارات و المعالجات
المعتمدة لتجنيب المجتمع مزيد التداعي.
من مظاهر الأزمة التي يعيشها نظام الأسرة
التونسية تفاقم ظواهر العنف بين الأزواج وتمرد الأبناء على الآباء وتراجع القيم
التي تحكم العلاقة بين أعضاء الأسرة حيث بدا المنهج الليبرالي يفرض سيطرته على
سلوك الجميع. كل هذا قاد إلى نتيجة حتمية تمثلت في تزايد نسب الطلاق وعزوف الشباب
عن بناء الأسر وتراجع خطير في دور الأسرة كقاعدة لمجمل البناء الاجتماعي وذلك لفائدة
نظام الحرية الفردية التي يدعو لها المنهج الليبرالي.
وهكذا أبيح ضرب الأخلاق والروابط
الأسرية في الصميم ولم يعد بالتالي لمفهوم الأسرة وقيمها وأنظمتها من معنى ، لأنها في نظر العولمة والمنهج اللبرالي ليست إلا تضييقًا للحرية، وتدخلاً في الخصوصيات
ووقع التخلي عن بناء الأسرة الممتدة (الأسر التي تضم الأب والزوجة والأبناء وزوجاتهم
والأحفاد في مكان إقامة واحد) لصالح
البناء النووي(الأسر المقتصرة على الأب والأم والأبناء)، وانصرف الأولياء عن دورهم التربوي التاريخي ما عدا الرعاية المادية واستغنى الأبناء عن الحاجة إلى أولياء الأمور
تحت عناوين الاستقلالية وبناء الذات وحينها صودر الحب والدفء واللحمة التي كانت تغذي النسيج الأسري.
هذا التحول الخطير الذي أصاب الأسرة يعد مقدمة
لتحولات أخطر تمسّ بنية المجتمع ومستقبل أجياله حيث انعكس هذا الوضع على نظم
التربية والتعليم ونظم الثقافة والشباب والطفولة وأثر تأثيرا مباشرا على نظام
المسؤولية والضمير في تناول مجمل قضايا البلاد وبالتحديد على نظم الإدارة والإنتاج
والاقتصاد الكلي للبلاد .
و بالرغم من خطورة هذا الوضع فإن المنظمات
العاملة في مجال الأسرة و الدفاع الاجتماعي والمؤسسات التربوية والتنشئة
الاجتماعية ما زالت، وهي تؤدي دورها، عاجزة عن تحقيق المطلوب في الاعتناء بهذه
المؤسسة ومساعدتها على مواجهة المشاكل رغم برامج الرعاية المادية التي
تراهن عليها الحكومة من أجل الرقي بالأسر محدودة الدخل
وهي برامج تتناول الأسرة في حاجاتها المادية وليس في جوهر دورها الاجتماعي.
إن المقاربات التي تعتمدها
سلط الإشراف و المنظمات الاجتماعية والمؤسسات التربوية في التصدي لقضايا الأسرة و
الظواهر التي أثرت سلبيا على تماسكها
وفاعلية آدائها ما زالت تعتمد رؤية لبرالية
لا تتماشى مع طبيعة الدور المطلوب لهذه المؤسسة في مجتمعنا .
ليس لنا من خيار من أجل مستقبل أفضل للأسرة إلا
أن نحدّد المسؤوليات ونجعل الأسرة في
رأس
قائمة اهتماماتنا حتى تنهض بالدور المرتجى منها لتحقيق المصلحة العامة إذ
الأسرة هي قاعدة المجتمع. و ندعو سلط
الإشراف و المنظمات العاملة في حقل التربية والأسرة و التنشئة الاجتماعية ومؤسسات التربية
والتعليم إلى إعادة النظر في برامجها و
آلياتها حتى تضمن سلامة الأسرة ومستقبل الأجيال لاحقا ومن بين
أبرز ما لا بد من مراجعته تقديرنا لموقع الأسرة في نظامنا الاجتماعي وعلاقة هذه
المؤسسة بالبرامج القائمة حاليا على مستوى عالمي والهادفة لتفكيك منظومات الثقافة
الوطنية وتغيير منظومات القيم الأخلاقية التي يقوم عليها الوجود الإنساني وإعادة
النظر في الدور التاريخي الذي لعبته الأسرة في التربية والتكوين واستبداله بأدوار
جديدة يكون الفرد في المركز منها.