المسيري..الحي
بقلم :عادل الجوجري / القاهرة
رئيس تحرير مجلة
الغد العربي
لاأظن أن الأشجار
تموت واقفة، هي ترحل في حبيبات الريح والمطرثم تعود ،فالأشجار ليست مجرد خشب يتغذي
من ماء وطين بل هي معنى ،وظل وحنين ،والأشجار تحب بعضها ليس بينها ضغينة ولاحقد
ولاحسد ولا أنين.
ربما نقول على أناس
مثل عبد الوهاب المسيري أنه مات كالأشجار واقفا ،واقع الحال أن العبارة جانبها
الصواب فالأشجارلاتموت ،وهو مثلها قد يغادر فوق الأرض أو تحتها ، على متن جواد
فضائي أو في بطن سفينة ،لكنه يبقى موجودا ،هو الراحل المقيم بيننا يتنفس
أفكارا ويتطور وينضج ويكتب وإن كان بقلم كاتب آخر أو على ورق آخر ،لأنه أريج ورحيق
يبقى، ويتنقل من شجرة إلى أخرى ،ومن نخلة إلى أخرى ومن وردة إلى أخرى.
عبد الوهاب المسيري
مفكرعربي أفريقي مسلم وإنسان عالمي،له من صفاته مقومات ، ومن هويته إبداعات ومن إنحيازاته
انتماءات،هو بسيط مثل شجرة نيلية إسمها الصفصاف،ترتوى من النهر الخالد فتروي بظلها
الوارف ملايين من عابري النهر والسبيل،هو صاحب موسوعة الصهيونية التي من خلالها
عرفنا عدونا،دخلنا في شرايينه وتجولنا في عقله وخططه وتدابيره،واكتشفنا عقده
النفسانية التي دفعته في احتلال بلادنا وتهديد شعوبنا ،وسوف تظل الموسوعة شجرة
جذورها ثابتة في الأرض وفروعها في السماء،هي باقية وإن سافر صاحبها ،هي مقيمة في
وجداننا وإن غاب مؤلفها،وهي خالدة وإن غبنا جميعا أورحل جيل وجاء آخر ورحل آخر ولم
يجيئ الاخير.
الفكر لايموت
والعروبة لاتموت وأفريقيا لاتموت والاسلام والانسان والقيم الحرة هم أحياء عند
ربهم –وبين العباد- يرزقون ،هل مات أرسطو أوتلاشى أفلاطون وسقراط؟أنهم يتجولون في
الشوارع.. في الريف والمدن في الحارات الشعبية ،وبين القصور ،هم أحياء يبارزون
الكلمة بالحجة،والصورة بالمنطق ،ويجادلون السلطان بالقانون ،ويقارعون السلطة
بالدساتير.هم أبقى من كل الحكومات والأباطرة والملوك.
عبد الوهاب المسيري
عربي أفريقي أدرك في شبابه ماقاله الزعيم جمال عبد الناصر عن دوائر التأثير في
القرار المصري، هي ثلاث دوائر عربية وإسلامية وأفريقية،هي دوائر كالأشجار تحب
بعضها،تتداخل وتتواصل وتؤثر وتتأثر ،وترفض التدخلات الأجنبية التي تخرب البيوت
،والدول والأمم والذمم والهمم ،هو الانسان المثقف المتثاقف مع الحضارات والثقافات
الملونة بألوان الطيف،هو الديمقراطي الذي أهدى حبله السري لوطنه ،قرر في ليلة صيف
أن يهدي الوطن شيئا جميلا وغاليا ونبيلا ،فتش في خلاياه،في حناياه ،فلم يجد أغلى
من ضميره ،لفه في قماشة مطرزة بحروف ثلاث"م-ص-ر"وجاب القرى كما في
أسطورة إيزيس وأزوريس يبحث عن الاشلاء المقدسة، لكي ترتاح الروح المعذبة..روح
الشعب التواق الى التغيير والتجديد والتبديل والنهضة..سبعة آلاف سنة والبلاد تبحث
عن الروح ،ولما تعب صرخ في أرجاء المعمورة"كفاية".
هذا الرجل قنوع ليس
في الرزق والعيال فحسب بل في العمر،وفي الكلمةهو راض مثل كل نفس راضية مرضية،هو
يعرف ماقاله صلاح عبد الصبور(عدو الموت هو الكلمة ..لايقهر الموت إلا الحجر
والكلمة.. والكلمة أطول عمرا من الحجر)..وهكذا يستحيل أن تقول عليه
"كان" ...لأنه "مازال"، ومحال أن تقول عليه "مات
" هو فقط اختلط مع العشب ليكسو الارض لونا سندسيا لايعرف الندم..