عندما تناظر حنفي مع أبويعرب المرزوقي

صلاح الجورشي

نظم «منتدى الجاحظ» -وهو جمعية ثقافية مقرها بتونس- مناظرة فكرية بين مفكرين عربيين يجمع بينهما اختصاص الفلسفة وغزارة الإنتاج منذ سنوات طويلة، لكنهما يختلفان حول أشياء أساسية في النظرة إلى التراث، وعلاقة الفلسفة بالدين، وكيفية التنظير لتغيير الواقع. الأول مصري، معروف بدفاعه عن إنشاء تيار تحت يافطة «اليسار الإسلامي» وهو الدكتور حسن حنفي. أما الثاني فهو الفيلسوف التونسي «أبويعرب المرزوقي» الذي اشتهر بمشاكساته وتأملاته الفكرية والسياسية.
والمناظرة فن اشتهرت به مجالس الفكر والثقافة في التجربة العربية الإسلامية. وقد كان لها دور فاعل في تطوير الفكر وتأسيس العلوم والارتقاء بوسائل المحاججة وآداب الاختلاف. وحتى يقع إعادة إحياء هذا التقليد الثقافي، وحتى يقع التمييز بينه وبين صراع الديكة الذي تقدمه بعض الفضائيات حيث لا علم ولا حوار، استحضرت -باعتباري رئيس منتدى الجاحظ وكلفت بإدارة الحوار- مقولة أحد المتكلمين حدد فيها شروط المناظرة وأخلاقياتها.
روي أنه اجتمع متكلمان فقال أحدهما: هل لك في المناظرة؟ فقال: على شرائط.. ألا تغضب، ولا تعجب، ولا تشغب، ولا تحكم، ولا تقبل على غيري وأنا أكلمك، ولا تجعل الدعوى دليلا، ولا تجوز لنفسك تأويل آية على مذهبك إلا وجوزت لي تأويل مثلها على مذهبي، وعلى أن تؤثر التصادق، وتنقاد للتعارف، وعلى أن كلا منا يبغي مناظرته على أن الحق ضالته والرشد غايته».
وقد كان المتناظران في منتدى الجاحظ عند حسن نية الجمهور الذي ضاق به المكان. اختلفا في قضايا جوهرية، لكن دون غضب أو تشنج أو تبادل اتهامات، وهي مواصفات يفتقر إليها كثير من الجدل الدائر بين منتجي المعرفة والأدب والسياسة في بلادنا العربية، حيث تضخمت الذوات، وكثر الادعاء، وضاقت النفوس بعضها ببعض.
لن أستعرض محاور المناظرة وما قاله الطرفان، فذاك قد نعود إليه في مناسبة أخرى، لكن استوقفتني وجهتا نظر صدرتا عن الفيلسوفين المتحاورين. والموقفان يدلان على هاجس الشعور بالمسؤولية لدى بعض المثقفين العرب، مما يجعلهم يدافعون عن مواقف تبدو مخالفة تماما لما يردده ويريده الجمهور والنخبة.
انطلق حنفي من كون مصلحة الأمة مقدمة على مصلحة الأفراد، وأن حق الأوطان يسبق حقوق الأفراد.
وبما أن الأمة حاليا محاصرة ومهددة، وأن الاستعمار عاد ليفرض سيطرته على جزء جديد من الأرض العربية وهي العراق، فإنه -أي حنفي- على استعداد أن يضع يده في يد أي حاكم عربي يقرر بذل قصارى الجهد من أجل تحرير فلسطين والعراق، وذلك مقابل التنازل حاليا أو مؤقتا عن حقوق الإنسان والديمقراطية والحريات العامة. أي إعطاء الأولية لتحرير الأوطان على حساب النضال من أجل إعادة الاعتبار لحرية المواطن.
هذا الرأي استفزني، وناقشت فيه أستاذي وصديقي بكل جدية وتحفز. فأنا أعلم مدى صدقه وإيمانه بالحرية، وهو الذي كتب بحثا عميقا وجريئا حول جذور الاستبداد في الثقافة العربية الإسلامية، لكن بعد أن اختلط الحابل بالنابل، ودخلت أميركا على خط المطالبة بالديمقراطية، وحصلت كارثة العراق، هل يكفي ذلك لنعيد إنتاج الخطاب المأساوي السابق الذي كان يمارس سلطته وإرهابه خلال الستينيات من القرن الماضي تحت شعار «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة»؟
أما المرزوقي، وهو يستحضر ما حدث في العراق، لم يتردد في أن يعلن أمام سامعيه أنه يعتبر أن الإصلاح السلمي هو الطريق الوحيدة، وأنه يفضل دعم أنظمة مستبدة على الدخول في مغامرات ومهاترات غير مأمونة العواقب. بل وذهب إلى حد الإعلان بأن كل من يدعو إلى القيام بثورات شعبية للإطاحة بالأنظمة العربية القائمة هو عميل للإمبريالية والاستعمار الجديد.
رأي المرزوقي يذكرنا بآراء فقهاء أهل السنة الذين كانوا يخشون من تداعيات الثورات التي يربطونها بالفتنة، وكان بعضهم يفضل بقاء حاكم ظلوم على فتنة تدوم. لكن المسألة تحتاج إلى توقف.
أشاطره بأن الإصلاح هو الخيار الاستراتيجي المطروح على دعاة التغيير، وأن منطق الثورة لم يعد واردا، خاصة أن شروط الثورة غير متوفرة، ولا يوجد من هو مستعد لتحمل تبعاتها. لكن المشكلة تكمن في أن كثيرا من أوضاع البلاد العربية يتجه بنسق متزايد نحو حالة من الانخرام بحكم تفكك النظام الاجتماعي والسياسي التقليدي.
لهذا، وكلما استمرت الحكومات في تأجيل اتخاذ قرارات عاجلة لتعديل سياساتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، فإنها لن تترك أمام الجماهير الغاضبة واليائسة سوى اللجوء إلى أنماط من التمرد والهيجان التي تكون خسائرها أحيانا أكثر من إيجابياتها. فالخيار الإصلاحي يحتاج إلى ثقافة إصلاحية، وخبرة، وصبر، وطول نفس، وقيادات قادرة على تحقيق المكاسب بأقل التكاليف. كما أن المنهج الإصلاحي يحتاج أيضا إلى وجود أنظمة لها بقية من عقلانية، ومستعدة للتفاعل والتصحيح التدريجي، ومنح بعض فرص المشاركة والتعبير.
الإصلاح يحتاج إلى توفير معادلة من قطبين، قطب تمثله سلطة بدأت تدرك أن مصلحتها في الانفتاح على شعبها ونخبتها. وفي المقابل قطب تمثله معارضة قطعت مع العنتريات، واعترفت بقدراتها الحقيقية، وسلمت بأن الحكمة تقتضي التدرج والقبول بالحلول الوسطى وتجنب أسلوب المغامرات القاتلة.