لافتات مطرية

للشّاعر أحمد مطر

لص بلادي

بالتمادي . . . يصبح اللص بأوربا مديراً للنوادي،

وبأمريكا، زعيماً للعصابات وأوكار الفساد،

وبأوطاني اللتي من شرعها قطع الأيادي،

.يصبح اللص . . . زعيماًُ للبلاد

 

طاغوتية

في بلاد المشركين ،

يبصق المرء بوجه الحاكمين،

فيجازى بالغرامة؛

ولدينا نحن أصحاب اليمن،

يبصق المرء دماً تحت أيادي المخبرين،

ويرى يوم القيامة،

عندما ينثر ماء الورد، والهيل ــ بلا إذن ــ على وجه أمير المؤمنين

 

عفو عام

أصدر عفو عام

عن الذين أعدموا،

بشرط أن يقدموا عريضة استرحام

مغسولة الأقدام،

غرامة استهلاكهم لطاقة النظام،

كفالة مقدارها خمسون ألف عام،

تعهد بأنهم

ليس لهم أرامل،

ولا لهم ثواكل،

ولا لهم أيتام،

شهادة التطعيم ضد الجدري،

قصيدة صينية للبحتري،

خريطة واضحة لأثر الكلام،

هذا ومن لم يلتزم بهذه الأحكام

.يحكم بالإعدام

 

جاهلية

في زمان الجاهلية

كانت الأصنام من تمر،

وإن جاع العباد،

فلهم من جثة المعبود زاد؛

وبعصر المدنية،

صارت الأصنام تأتينا من الغرب

ولكن بثياب عربية،

تعبد الله على حرف، وتدعو للجهاد

وتسب الوثنية،

وإذا ماستفحلت، تأكل خيرات البلاد،

وتحلي بالعباد؛

.رحم الله زمان الجاهلية

 

الأبكم

أيها الناس اتقو نار جهنم،

لا تسيؤو الظن بالوالي،

فسوء الظن في الشرع محرم،

أيها الناس أنا في كل أحوالي سعيد ومنعم،

ليس لي في الدرب سفاح، ولا في البيت مأتم،

ودمي غير مباح ، وفمي غير مكمم،

فإذا لم أتكلم

لا تشيعوا أن للوالي يداً في حبس صوتي،

بل أنا ياناس أبكم؛

.قلت ما أعلمه عن حالتي، والله أعلم

 

الممثلون

مقاعد المسرح قد تنفعل،

قد تتداعى ضجرا،

قد يعتريها الملل،

لكنها لا تفعل،

لأن لحما ودما من فوقها لا يفعل؛

ياناس هذي فرقة يضرب فيها المثل،

غبائها معقل، وعقلها معتقل،

والصدق فيها كذب، والحق فيها باطل،

ياناس لا تصفقو، يا ناس لا تهللو،

ووفرو الحب لمن يستأهل،

فهؤلاء كالدمى: ما ألفوا، ما أخرجوا، ما دققوا، ماغربلوا؛

وفي فصول النص لم يعدلوا؛

لكنهم قد وضعوا الديكور والطلاء ثم مثلوا؛

وهكذا ظل الستار يعمل،

يرفع كل ليلة عن موعد،

وفوق عرقوب الصباح يسدل،

وكلما غير في حواره الممثل،

مات وحل البدل،

رواية مذهلة لا يحتويها الجدل،

فالكل فيها بطل، وليس فيها بطل،

عوفيت ياجمهور يامغفل؛

.لا ينظف المسرح أن لم ينظف الممثل

 

منفيون

لمن نشكو مآسينا ؟

ومن يصغي لشكوانا، ويجدينا ؟

أنشكو موتنا ذلا لوالينا ؟

وهل موت ســيحـيـيـنا ؟

قطيع نحن والجزار راعينا ؛

ومنفيون نمشي في أراضينا ؛

ونحمل نعشنا قسرا بأيدينا ؛

ونعرب عن تعازينا لنا فينا ؛

فوالينا ، أدام الله والينا،

رآنا أمة وسطا، فما أبقى لنا دنيا،

ولا أبقى لنا دينا ؛

ولاة الأمر : ماخنتم ، ولا هنتم ،

ولا أبديتم اللينا ،

جزاكم ربنا خيرا، كفيتم أرضنا بلوى أعادينا،

وحققتم أمانينا ،

وهذي القدس تشكركم ،

ففي تنديدكم حينا ،

وفي تهديدكم حينا ،

سحبتم أنف أمريكا ،

فلم تنقل سفارتها ،

ولو نقلت ــ معاذ الله لو نقلت ــ لضيعنا فلسطينا ؛

ولاة الأمر هذا النصر يكفيكم ، ويكفينا ،

.تهانينا

 

أبا العوائد

قرأت في الجرائد

أن أبا العوائد

يبحث عن قريحة تنبح بالإيجار ،

تخرج ألفي أسد من ثقب أنف الفار ،

وتحصد الثلج من المواقد ،

ضحكت من غبائه، لكنني قبل اكتمال ضحكتي،

رأيت حول قصره قوافل التجار،

تنثر فوق نعله القصائد،

لا تعجبو إذا أنا وقفت في اليسار،

وحدي، فرب واحد

تكثر عن يمينه قوافل،

.ليست سوى أصفار

 

المخبر

عندي كلام رائع لا أستطيع قوله،

أخاف أن يزداد طيني بلة،

لأن أبجديتي،

في رأي حامي عزتي،

لا تحتوي غير حروف العلة ؛

فحيث سرت مخبر يلقي علي ظله،

يلصق بي كالنملة ،

يبحث في حقيبتي ،

يسبح في محبرتي،

يطلع لي في الحلم كل ليلة ،

حتى إذا قبلت يوما طفلتي ،

أشعر أن الدولة

قد وضعت لي مخبرا في القبلة ،

يقيس حجم قبلتي،

يطبع بصمة لها عن شفتي،

يرصد وعي الغفلة ،

حتى إذا ماقلت يوما جملة،

يعلن عن إدانتي، ويطرح الأدلة ،

لا تسخرو مني ، فحتى القبلة

.تعد في أوطاننا حادثة تمس أمن الدولة

 

انتفاضة

خل الخطاب لمدفع هدار

واحرق طروس النثر والأشعار

وانهض فأصفاد الأسار لساكن

ومسرة التيسير للسيار

كم عازف عن جدول متوقف

ومتابع ميل السراب الجاري

لولا اصطراع الأرض ماقامت على

يم الدجن سوابح الأقمار

وقوافل الغيث الضحوك شحيحة

وكتائب الغيم الكظيم جواري

فاقطع وثاق الصمت واستبق الخطى

كالطارئات لحومة المضمار

أنت القوي فقد حملت عقيدة

أما سواك فحاملوا أسفار

يتعلقون بهذه الدنيا وقد

طبعت على الإيراد والإصدار

دنيا وباعو دونها العليا

فبئس المشتري، ولبئس بيع الشاري

ويؤملون بها الثبات فبئسما

قد أملوا في كوكب دوار

أنت القوي فقل لهم لن أنثني

عما نويت وشافعي إصراري

لن أنثني فإذا قتلت فإنني

حي لدى ربي مع الأبرار

وإذا سجنت فإنما تتطهر

الزنزانة السوداء في أفكاري

وذا نفيت عن الديار فأينما

يمضي البريء فثم وجه الباري

وإذا ابتغيتم رد صوتي بالذي

مارد عن قارون قرن النار

فكأنما تتصيدون ذبابة

في لجة محمومة التيار

إغرائكم قدر الغرير، وغيرتي

قدر بكف مقدر الأقدار

شتان بين ظلامكم ونهاري

.شتان بين الدين والدينار

 

الحارس السجين

بيني وبين حارسي جدار،

وفتحة في ذلك الجدار،

يرى الظلام من ورائها وأرقب النهار،

لحارسي ولي أنا صغار،

وزوجة ودار،

لكنه مثلي هنا، جاء به وجاء بي قرار،

وبيننا الجدار،

.يوشك أن ينهار

 

انحناء السمبلة

أنا من تراب وماء،

خذو حذركم أيها السابلة،

خطاكم على جثتي نازلة ،

وصمتي سخاء ،

لأن التراب صميم البقاء ،

وأن الخطى زائلة ؛

ولكن إذا ما حبستم بصدري الهواء ،

سلو الأرض عن مبدأ الزلزلة ،

سلو عن جنوني ضمير الشتاء ،

أنا الغيمة المثقلة ،

إذا أجهشت بالبكاء ،

فإن الصواعق في دمعها مرسلة ؛

أجل إنني أنحني فاشهدو ذلتي الباسلة ،

فلا تنحني الشمس إلا لتبلغ قلب السماء ،

ولا تنحني السمبلة

إذا لم تكن مثقلة ؛

ولكنها ساعت الإنحناء ،

تواري بذور البقاء ،

فتخفي برحم الثرى ثورة مقبلة ؛

أجل إنني أنحني تحت سيف العناء ،

ولكن صمتي هو الجلجلة ،

وذل انحنائي هو الكبرياء ،

لأني أبالغ في الإنحناء ،

.لكي أزرع القنـبـلة

 

آية النسف

لا تهاجر ،

كل ما حولك غادر ،

لا تدع نفسك تدري بنواياك الدفينة ،

وعلى نفسك من نفسك حاذر ،

هذه الصحراء ماعادت أمينة ،

هذه الصحراء في صحرائها الكبرى سجينة ،

حولها ألف سفينة ،

وعلى أنفاسها مليون طائر ،

ترصد الجهر وما يخفى بأعماق الضمائر ،

وعلى باب المدينة ،

وقفت خمسون قينة ،

حسبما تقضي الأوامر ،

تضرب الدف وتشدو: " أنت مجنون وساحر" ،

لا تهاجر ،

أين تمضي ؟

رقم الناقة معروف ، وأوصافك في كل المخافر ،

وكلاب الريح تجري ولدى الرمل أوامر ،

أن يماشيك لكي يرفع بصمات الحوافر ،

خفف الوطء قليلا ، فأديم الأرض من هذي العساكر،

لا تهاجر ،

اخف إيمانك ، فالإيمان ــ أستغفرهم ــ إحدى الكبائر،

لا تقل إنك ذاكر ،

لا تقل إنك شاعر ،

تب فإن الشعر فحشاء وجرح للمشاعر ،

أنت أمي، فلا تقرأ، ولا تكتب ولا تحمل يراعا أو دفاتر،

سوف يلقونك في الحبس، ولن يطبع آياتك ناشر ،

إمض إن شئت وحيدا، لا تسل أين الرجال،

كل أصحابك رهن الإعتقال ،

فالذي نام بمأواك أجير متآمر ،

ورفيق الدرب جاسوس عميل للدوائر ،

وابن من نامت على جمر الرمال في سبيل الله: كافر ،

ندموا من غير ضغط ،

وأقروا بالضلال ،

رفعت أسماؤهم فوق المحاضر ،

وهوت أجسادهم تحت الحبال؛

إمض إن شئت وحيدا ، أنت مقتول على أية حال،

سترى غارا ، فلا تمش أمامه ،

ذلك الغار كمين ، يختفي حين تفوت ،

وترى لغما على شكل حمامة ،

وترى آلة تسجيل على هيئة بيت العنكبوت ،

تلقط الكلمة حتى في السكوت ،

ابتعد عنه ولا تدخل وإلا ستموت ،

قبل أن يلقي عليك القبض فرسان العشائر ،

أنت مطلوب على كل المحاور ،

لا تهاجر ،

اركب الناقة واشحن ألف طن ،

قف كما أنت ورتل آية النسف(1) على رأس الوثن،

إنهم قد جنحوا للسلم فاجنح للذخائر ،

.ليعود الوطن المنفي منصورا إلى أرض الوطن

 

سواسية

سواسية ،

نحن كأسنان كلاب البادية ،

يصفعنا النباح في الذهاب والإياب ،

يصفعنا التراب ،

رؤوسنا في كل حرب بادية ،

والزهو للأذناب ،

وبعضنا يسحق رأس بعضنا كي تسمن الكلاب ،

سواسية ،

نحن جيوب الدالية ،

يديرنا ثور زوى عينيه خلف الأغطية ،

يسير في استقامة ملتوية ،

ونحن في مسيره نغرق كل لحظة في الساقية ،

يدور تحت ظلة العريش،

وظلنا خيوط شمس حامية ،

ويأكل الحشيش ،

ونحن في دورته نسقط جائعين كي يعيش ،

نحن قطيع الماشية ،

تسعى بنا أظلافنا إلى الحتوف ،

على حذاء الراعية،

وأفحل القادة في قطيعنا خروف ؛

نحن المصابيح ببيت الغانية ،

رؤوسنا مشدودة في عقد المشانق ،

صدورنا تلهو بها الحرائق ،

عيوننا تغسل بالدموع كل زاوية ،

لكنها تطفأ كل ليلة عند ارتكاب المعصية ؛

نحن لمن ؟

ونحن من ؟

زماننا يلهث خارج الزمن ،

لا فرق بين جثة عارية وجثة مكتسية ،

سواسية ،

موتى بنعش واحد يدعى الوطن ،

أسمى سمائه كفن ،

بكت علينا الباكية ،

.ونام فوقنا العفن

 

لا نامت عين الجبناء

أطلقت جناحي لرياح إبائي،

أنطقت بأرض الإسكات سمائي،

فمشى الموت أمامي، ومشى الموت ورائي،

لكن قامت بين الموت وبين الموت حياة إبائي،

وتمشيت برغم الموت على أشلائي،

أشدو، وفمي جرح ، والكلمات دمائي،

(لا نامت عين الجبناء)

ورأيت مئات الشعراء،

مئات الشعراء،

تحت حذائي ،

قامات أطولها يحبو،