الاسلام
والحداثة .. وما بعدها ( 7 )
عبدالباقي
خليفة
هناك من يحاول أن
ينفي المكان والزمان عند الحديث عن الحداثة ، للهروب من أي محاكمة حقيقية للسلبيات
والكوارث التي نجمت عن الحداثة أو في ظلها . فيعلن أحدهم مثل ، روبير ، على سبيل المثال ، أن "
الحداثة يجب أن لا ترد إلى زمن أو فضاء تاريخي محدد " . لقد تولد عن ذلك
القول ، السؤال المحير ، وهو كيف لا يمكن ربطها بزمن معين ، وهي مستوحاة من التراث
الاغريقي واليوناني مع تصحيحاته وإضافاته الأندلسية ممثلة في ابن رشد وغيره ، وحتى
ما قبل ظهور النصرانية في الغرب ( بعد نزع الماورائيات منها ) . وهذا الاستدراك
يريد أن يوحي بشئ ، وهو أنه لا يوجد تراث للحداثة ؟! وأن آخر التقليعات في عالم
الفن والسياسة والاجتماع والاقتصاد ، هي الحداثة ، ولا علاقة لذلك بما سبقها ؟!!!
وهذا إن دل على شئ
فإنما يدل على التوجه الاستهلاكي والولع الجنوني بالتقليعات لا الظواهر والأفكار .
ليس ذلك فحسب ، بل غياب النقد وعرض التجربة على الاختبار اجتماعيا وثقافيا وغير
ذلك . وقد رأينا كيف أخذت الحداثة ، ثم العولمة ، كمسلمات وكواقع دولي بناءا على التوجه
الاستهلاكي للحداثويين عندنا . ثم رأينا كيف خنسوا عندما ظهرت دراسات نقدية في
أوربا للعولمة باعتبارها عولمة أمريكية ، وطالب مركزيون أوروبيون في كل من باريس وروما
وبرلين وغيرها بتحويل العولمة الأمريكية إلى " التغريب " وإعطائها هذا
الاسم " التغريب " بدل النسخة الامريكية المرفوضة أوروبيا ( العولمة ).
ولم نسمع ركزا للمتعولمين العرب ، ولا أي اسهام في نقد العولمة ، سوى تلك الأقلام
الاسلامية ، وإلى حد ما العروبية واليسارية . لأن العولمة بصيغتها المطروحة كانت
تكريسا وتعزيزا للهيمنة الأمريكية على العالم .
لم يكتب أي حداثوي
شيئا في نقد الحداثوية ، قبل أن يتناولها الغربيون بالتشريح وحتى التجريح . وهناك
اتجاه قوي لنقد الحداثة في الغرب ، بشكل يفوق خروج بعض الأقلام في النصف الثاني من
القرن العشرين والتي انبرت في إظهار عيوب " الشيوعية " وساهم ذلك النقد
المرير في إسقاطها . فالغربيون يعلنون ومنذ عدة سنوات أن " الحداثة الغربية
في أزمة " . وتؤكدا على أن ما يسعى الحداثيون إلى تكريسه في مجتمعنا ، هو
المرض الخطير الذي يتداعى له الغرب في القرن 21 . ومن ذلك الاسراف في شرب الخمر (
عادة حداثوية عندنا ) وانتشار العديد من أنواع الشذوذ ( بصفته شكل من أشكال
الحداثة = الجديد ) ومن ذلك السحاق واللواط وممارسة الشذوذ مع الأطفال ، ( وبدت
الكنيسة حداثوية على هذا الصعيد ). وتعاطي المخدرات ، والانزلاق في النزعة العدمية
، والأخطر هو عدم ربط تلك الممارسات بثقافة الصحيح والخطأ فضلا عن ثقافة الحلال
والحرام . ( رأينا هذه النزعة في البلاد العربية ، سواء في مجلات الاطفال ،أووسائل
الاعلام الأخرى ، وتتمثل في إبعاد المرجعية الاسلامية للاخلاق ، ففي برنامج كلام
نواعم في ام بي سي ، تم الحديث عن الام دون ذكر أية أو حديث ) .
وأصبح الكثير من
الفلاسفة يؤكدون بأن قتل " الدين " في الانسان وراء كل هذا الدمار في
عالم القيم التي بناها الانسان خلال ملايين السنين والتجارب وعبرالرسالات السماوية
. فغياب الله عن ذهن الانسان يؤدي إلى تدميره نفسيا وجسديا وروحيا واجتماعيا. وتمثلت
النزعة السلوكية الحداثوية في سعي الأفراد في تشكيل عالمهم الخاص بعيدا عن المجتمع
، بحيث لكل اخلاقه التي لا يريد أن يربطها بما يسمى السمت العام للمجتمع في اللباس
والاكل والجنس والعلاقات المختلفة . وهذا ما دفع المفكر الفرنسي جان كلود غيبو إلى
اطلاق صرخته " خيانة التنوير " . وأصبح الكثير من المفكرين من أمثاله
يبحثون عن المعنى ، وبالتحديد معنى الحياة والوجود . والحقيقة هي أن الانسان
الغربي وبعد تحرره من كل القيود ، وكل المحرمات ، وأشبع نزواته المختلفة ، شعر
بأنه في حاجة لشئ آخر ، يفتقده ولا يستطيع شراؤه ، وهو الاشباع الروحي . في حاجة
لشئ غير الأكل والشرب والجنس والمتع الحسية والرفاه الاقتصادي . ويمكن القول
باختصار أن " الانسان الغربي أدرك مؤخرا أنه في حاجة إلى الله ، وليس إلى
الكنيسة ، وهو في حاجة لمن يأخذ بيده إلى الله ، و" الاسلام هو الحل الوحيد
" كما يؤكد روجيه غارودي ، ومنذ عدة سنوات . بل القرآن نفسه يقول ذلك "
ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه " .
إن الاسلام يحررنا من
الفقر والجوع ، لو أخذنا بتعاليمه ، فالملك والرئيس والوزير في الاسلام يجب أن
يعيش كما يعيش بقية الناس ، وليس لديه حقوق أكبر ، وإنما مسؤوليات أكبر . والاسلام
يحررنا من عقلية الاستهلاك التي تلتهم متطلباتها الحداثوية رواتب الموظفين والعمال
قبل أن ينته الشهر . والاسلام يحررالناس من استعباد المدير ورئيس العمل خلال ساعات
العمل وأحيانا قبلها أو بعدها . والاسلام يحفظ الأسر وخصوصياتها خلال أوقات الفراغ
والتسلية ، دون تعرض الناس للتلوث السمعي والبصري والتحرش بالنساء ، والناتج عن
عملية التدمير الحداثوية للاخلاق العامة . والاسلام يوفر الحريات العامة ، وهي
الحريات الأربع ، فليس هناك سخرية من أهل الدين ولا سيما العلماء على أعمدة الصحف
وشاشات التلفزيون ، وليس هناك قمع للمحجبات في الشارع وفي الكليات والمراكز
التعليمية كما يحصل في تونس وتركيا أكبر بلدين تسيطر عليهما الحداثوية .
وفي ظل الاسلام يمكن
أن تنتقد ما تشاء حتى السلطان ، والتاريخ يحفظ لنا مواقف رائعة في نقد الحكام
وبشكل مباشر وفي الحديث " أفضل الجهاد كلمة حق أمام سلطان جائر " وقول
أبي بكر رضي الله عنه " إن أحسنت
فأطيعوني وإن أخطأت فقوموني " وقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد أن عارضته
فتاة " أحسنت إمرأة وأخطأ عمر " .
الاسلام يعترف بالنقد
ويدعو له ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، هو الإطار الذي حدده الاسلام
لممارسة النقد ، وهو غير مرتبط بأشخاص معينين ولا سلطة حاكمة ولا طبقة معينة بل
شامل لكل ما يمكن أن يطاله النقد ، سياسة وثقافة واجتماعا ، وفي هذا الاطار يأتي
كدحنا على هذا الصعيد .
لقد تحولت الحداثوية
إلى شئ مقدس لدى بعض الأنظمة وبعض الأفراد الذين ينتظرون صيحات الغرب وتقليعاته ليطيروا بها في آفاقنا كما لو كانت
وحيا منزلا . وأصبح الحداثويون يقدمون أنفسهم كما لو كانوا الوكيل الحصري ،
للحداثة ، أو الناطقين باسمها ، وملكا حصريا لهم ، وامتيازا غير قابل للنقد أو
المخالفة أو حتى منازعته إياهم . فاحتكروا فهمها ، واحتكروا النطق باسمها ،
واحتكروا الحديث حولها .
لقد ولدت "
الحداثة " في الغرب الأنانية لا على المستوى الفردي فحسب ، بل على المستوى
الدولي ، فالغرب الغني ، لا يزال يمتص دماء الفقراء ويسرق ثروات الشعوب الاخرى
ومنها شعوبنا ، وفي نفس الوقت يغلق حدوده في وجه الجياع القادمين من افريقيا وآسيا
، مقابل اغراق أسواق أولئك الأفارقة والآسيويين بسلعه ، ويعمل على عدم تمكنهم من
صنع غذائهم ليبقوا تحت رحمته ، ورهن إشارته . فالحداثة لم تهذب الغرب وإنما جعلته
أكثر وحشية ، وهو يشبه في تعاطيه مع الشرق ، بداية ظهورالأقنان وفق التفسير المادي
للتاريخ . وهناك من يرى أن " الحداثة " انحرفت عن مسارها الذي حدده
الآباء ككانط مثلا ، وغاب عنهم أن من يفقد المعنى ، في فهم الكون والحياة والانسان
، كما دعت إليه " الحداثويات " يصبح وحشا كما نرى في الغرب في تعاطيه مع
الشرق ، وكما يفعل الحداثويون عندنا ، فالواحد منهم عندما يكون حداثيا صرفا ،لا
يمكن أن يكون رحيما أوعادلا أوشجاعا ، أي لا يمكن أن يكون انسانا .
لا أحد اليوم يتحدث
عن ( مثاليات ) كوند ورسيه ، وسان سيمون ، وأوغست كونت ، وجان جاك روسو ، وارنست
رنيان ، الذين كانوا حالمين جدا ، ولم يدركوا أبعاد الحداثوية التي نادوا بها ،
ومخاطر إخراج الانسان من الانسان . فالانتماء للجنس البشري الذي نادى به غوته ، لم
تفض إليه " الحداثة " وإنما أفضت إلى " صراع الأنواع " عند فرويد ، إلى
غابية المجتمع البشري . فقد ذهبت كلمات كوندورسيه سنة 1780 عن العدل وحقوق الانسان
والحق في الملكية الفردية والحرية والصحة أدراج الرياح . وحلت مكانها الهيمنة
والامبريالية واحتلال الآخر وفي مقدمته الآخر المسلم ، والسيطرة عليه ، وإعادة
احتلاله كما نرى في العراق وأفغانستان والتهديات التي تتعرض لها المنطقة ، من غرب
صنع الحداثة فحولته إلى وحش في البرية وصورت له بقية البشر كطرائد وفرائس .
والفيلسوف الانسان
كما صوره " روسو" أصبح منظرا للقتل والغزو والاستبداد والقمع باسم
الحداثوية . وكرست الحداثوية في الغرب والشرق على حد سواء الممارسات العنصرية
ووجود عرق أفضل من عرق وأن الناس ليسوا سواسية ، والناظر للسياسات الحداثوية
وللشللية " الثقافية " وللتقسيمات المجتمعية ( الجديدة ) يدرك ذلك جيدا
. فأين ذلك من قوله تعالى " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم
شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم " وقول الرسول صلى الله
عليه وسلم " الناس عيال الله أقربهم إلى الله أنفعهم لعياله " .
لقد انحرف الغرب عن أحلام
فلاسفة التنوير، بعد ظهور الغدة السرطانية الصهيونية في فلسطين ، وغلبة المصالح
على المبادئ ، فلا شئ يمنع الانسان من الظلم إذا لم يكن مرتبطا بقوانين في الأرض
وخشية من الله في السماء . والغرب لا يمكنه العودة إلى الوراء بما في ذلك العودة
إلى القرن الثامن عشر ، ولكنه يستطيع لو أراد التقدم للامام .. نحو الاسلام .
يتبع بعون الله ...